خلال متابعتي لحال السينما المصرية وتراجعها، وجدت أن السينما لم تعد تشبهنا، ولم يعد مشاهد السينما يجد نفسه في أحداثها، سينما الساحل الشرير وسينما البلطجة والفقر التي تسيئ للشارع المصري، سينما تناست الطبقة الوسطى التي تأكلت بسبب الضغوط وبسبب كل ما طرأ على هذه الفئة.
إن الأزمة الحقيقية التي تعاني منها الشاشة الفضية اليوم لا تكمن فقط في تراجع جودة النصوص أو فقر المعالجة الإخراجية، بل تكمن في انفصالها العميق والواضح عن واقع الجمهور الذي تتوجه إليه. لقد كانت السينما المصرية عبر تاريخها الطويل مرآة صادقة تعكس تحولات المجتمع، وتلتقط نبض الشارع بكل تفاصيله، فتمنح البطل العادي شرعية الوجود، وتجعل من تفاصيل الحياة اليومية للطبقة الوسطى مادة ثرية للإبداع والفن. أما اليوم، فقد تحولت البوصلة نحو القشور، وتأرجحت الإنتاجات بين عالمين متناقضين كلياً، وكأنه لا وجود لما بينهما.
في أحد أطراف هذا التناقض، نجد سينما الرفاهية المطلقة، أو ما يُعرف بسينما الساحل الشرير، حيث تُعرض حياة مجتمعية مغلقة ومغتربة عن أصلها، تعتمد على الاستعراض البصري المترف والأنماط المعيشية التي لا تمس غالبية الجمهور من قريب أو بعيد. تتجلى في هذه الأعمال قيم الاستهلاك السطحي والأزياء الباهظة والمنتجعات المعزولة عن آلام الشارع، وكأن الهدف الأسمى للعمل هو الترويج لأسلوب حياة مخملي يتوق إليه الجميع ولكن لا يملكه إلا القليل، مما يخلق حالة من الانفصال الشعوري والطبقي، ويعزز شعور المشاهد العادي بالإحباط وهو يرى شاشة تفصل بينه وبين محتواها أودية سحيقة من الإمكانات والواقع.
وفي الطرف الآخر، تتطرف السينما في الاتجاه المعاكس لتقدم سينما العنف والبلطجة التي تكرس العشوائية وتُظهر الشارع المصري وكأنه ساحة حرب مفتوحة، حيث يسود المنطق الخالي من القيم الإنسانية. إن اختزال أزمات الفقر والطبقات الشعبية في مشاهد السلاح الأبيض، واللغة المبتذلة، وشخصية المجهول المغامر الذي يحقق عدالته بذراعه، ليس مجرد معالجة درامية قاصرة، بل هو تحريف للواقع وتشويه لطبيعة الشارع المصري الأصيل. هذه السينما لا تكتفي بتقديم القبح، بل تجمله أحياناً تحت ذريعة الواقعية، متجاهلة أن الفقر لم يكن يوماً مرادفاً لغياب الأخلاق أو التخلي عن المبادئ الإنسانية. هذا الاستقطاب الحاد خلق تشويهاً كبيراً في الصورة الذهنية المصدَّرة عن المجتمع، وأفقد العمل الفني وظائفه التربوية والجمالية.
وبين هذين القطبين المتقابلين، غاب الحاضن الأكبر والمحرك الرئيسي للمجتمع، ألا وهي الطبقة الوسطى. تلك الطبقة التي طالما شكلت النواة الصلبة للدراما العربية، بما تحمله من طموحات وصراعات وقيم، وبما تواجهه اليوم من ضغوط اقتصادية واجتماعية طاحنة أدت إلى انحسارها وتآكلها. إن الطبقة الوسطى هي التي تخوض المعركة اليومية الأشرس مع الحياة، بين أعباء المعيشة وتدبير متطلبات الأسرة والسعي لتحسين المستقبل، مع الحفاظ على منظومة القيم والأخلاق. ومع ذلك، يغيب الموظف البسيط، والطبيب المكافح، والمعلم والمحامي، والشاب المبتدئ عن المشهد الفني، لحساب نماذج صارخة ومتطرفة لا تعبر إلا عن الهامش.
إن تجاهل هذه الفئة في الأعمال السينمائية الحديثة لا يعكس فقط هروباً من مواجهة الواقع، بل يحرم الجمهور من حق أصيل في رؤية معاناته اليومية وأفراحه البسيطة ومخاوفه الدفينة تجسد على الشاشة، مما يُحدث حالة من الاغتراب الفني بين المشاهد والمحتوى المقدم له. كما ينعكس هذا الغياب بشكل مباشر على الوعي الجمعي، حيث يعود سبب هذا التحول في جوهره إلى هيمنة شباك التذاكر السريع وحسابات شباك الإيرادات الضيقة، وتأثير شركات الإنتاج التي باتت تبحث عن الخلطة المضمونة والمثيرة بدلاً من الاستثمار في نصوص عميقة تصنع التاريخ الفني وتعيش في ذاكرة الشعوب.
ختاماً، ينبغي أن يدرك صناع السينما أن قوة الفن لا تكمن في الصدمة البصرية أو الإثارة المجردة، بل تكمن في الصدق والمحاكاة الإنسانية. إن إعادة التوازن للسينما المصرية تتطلب شجاعة في الطرح، ورغبة حقيقية في الخروج من فلك التنميط التجاري والاستسهال الإنتاجي، وفتح المجال للكتّاب والمخرجين المؤمنين بأهمية التفاصيل الصغيرة والحكايات الواقعية. وحين تعود الكاميرا لنقل نبض الإنسان العادي، ولتسليط الضوء على جوهر المجتمع وتحديات طبقاته الحقيقية، ستستعيد السينما مكانتها وتأثيرها، وتعود مجدداً تشبهنا ونرى أنفسنا في أحداثها. وكلنا أمل ورجاء في أن تعود السينما المصرية بقوة، وأن يكون هذا الرجوع رجوعاً كمياً وكيفياً يليق بمكانتنا، فنحن أصحاب تاريخ سينمائي عريق وكبير بدأ مع البدايات الأولى لصناعة السينما في العالم.
مصطفى البلك
[email protected]